الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
593
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
فإن قيل : إنهّ كان وصيّا في أمواله . قلنا : إنّ صدّيقهم قال : إنّ النبيّ صلى اللّه عليه وآله قال : « نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ، ما تركناه صدقة » ( 1 ) فلم يكن له مال حتّى يكون وصيّا في ماله . قال الكراجكي : ومن عجيب أمرهم أنّهم إذا طرقتهم الحجج الجليّة في أنّ النّبي صلى اللّه عليه وآله لم يمض من الدّنيا إلّا عن وصيّة ، وأنهّ أوصى إلى أمير المؤمنين عليه السّلام دون سائرهم ، وسمعوا بمدح أمير المؤمنين عليه السّلام بذلك في كلامه وحجاجه لخصومه ، وذكره له في خطبة على منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ، واحتجاج أهل بيته وشيعته من الأنصار بذلك في فضله ، وما نظمته فيه الشعراء وسارت الرّكبان فيه . قالوا عند ذلك : لسنا نجحد أن عليًّا عليه السّلام وصيّ الرّسول صلى اللّه عليه وآله ، ولا ننكر ما قد اشتهر من شهادة القوم بوصيتّه ، ولكن النّبيّ صلى اللّه عليه وآله إنّما أوصى إليه بما كان له في يده يتملكّه ويحويه ، ولم يوص إليه بأمر الأمّة كلّها ، ولا تعدّت وصيتّه إليه أمور تركته وأهله إلى غيرها . ثمّ يدّعون بعد ذلك أنّ جميع ما خلفّه صدقة ، وأنهّ لا يورّث كما يورّث من سواه . فليت شعري ، بماذا أوصى إذا كان جميع ما خلفّه صدقة ، ولم يكن أوصى بحفظ الشريعة والقيام بأمر الأمة فإنّ هذا ممّا يتحيّر فيه ذوو البصيرة ( 2 ) وكيف لا يكون وصيهّ خليفته وهو بمنزلته روى نصر بن مزاحم في ( صفيّنه ) - وهو منهم - والخطيب الناصبي في ( تاريخ بغداده ) عن عقيصا قال : كنّا مع عليّ عليه السّلام في مسيره إلى الشام ، حتّى إذا كنّا بظهر الكوفة من جانب هذا السواد عطش النّاس واحتاجوا إلى الماء ،
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه 2 : 185 ، 301 ، و 3 : 17 ، 55 و 4 : 164 ، ومسلم بثلاث طرق في صحيحه 3 : 1380 ، 1381 ح 52 - 54 ، وأبو داود بثلاث طرق في سننه 3 : 142 ح 2968 - 2970 وغيرهم عن أبي بكر ، وفي الباب عن عمر وعثمان وطلحة والزبير وعائشة وعبد الرحمن وسعد وأبي هريرة وغيرهم . ( 2 ) قاله الكراجكي في رسالة التعجب : 4 والنقل بتقطيع .